الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

283

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أحياء الأرواح ، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح ، غير مضمحلّة ، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم ، ومسرّتهم بإخوانهم ، ولذلك كان قوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ دليلا على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم ، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم ، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق ، ونبضات القلب ، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس ، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائما لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنّة . فإن علّقنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بقوله : أَحْياءٌ كما هو الظاهر ، فالأمر ظاهر ، وإن علقناه بقوله : يُرْزَقُونَ فكذلك ، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشئ عنها كائنا عند اللّه ، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويّة ، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق . وقوله : فَرِحِينَ حال من ضمير يُرْزَقُونَ . والاستبشار : حصول البشارة ، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى : وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [ التغابن : 6 ] وقد جمع اللّه لهم بين المسرّة بأنفسهم والمسرّة بمن بقي من إخوانهم ، لأنّ في بقائهم نكاية لأعدائهم ، وهم مع حصول فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنّون هلاك أعدائهم ، لأنّ في هلاكهم تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين . فالمراد بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم ، ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة . و مِنْ خَلْفِهِمْ تمثيل بمعنى من بعدهم ، والتقدير : ويستبشرون بالذين لم يصيروا إلى الدار الآخرة من رفاقهم بأمنهم وانتفاء ما يحزنهم . وقوله : أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بدل اشتمال ، و ( لا ) عاملة عمل ليس ومفيدة معناها ، ولم يبن اسم ( لا ) على الفتح هنا لظهور أنّ المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح ، وهو كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع : « زوجي كليل نهامة ، لا حرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سامة » برفع الأسماء النكرات الثلاثة . وفي هذا دلالة على أنّ أرواح هؤلاء الشهداء منحت الكشف على ما يسرّها من أحوال الذين يهمّهم شأنهم في الدنيا . وأنّ هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل اللّه ، وقد يكون خاصّا الأحوال السارّة لأنّها لذّة لها . وقد يكون عامّا لجميع الأحوال لأنّ لذّة الأرواح تحصل بالمعرفة ، على أنّ الإمام الرازي حصر اللذّة الحقيقية في المعارف . وهي لذّة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء ، ولو كانت سيئة .